
تفويض رئيس الجمهورية بإصدار قرارات لها قوة القانون فى مجال التسليح اعتداء على مبدأ سيادة القانون والفصل بين السلطات
وافق مجلس الشعب المصري ، يوم الاحد الموافق 18/5/1997 ، على مشروع قانون بمد العمل بالقانون رقم 29 لسنة 1972 بتفويض رئيس الجمهورية في إصدار قرارات لها قوة القانون في مجال التسليح لمدة ثلاث سنوات، حيث نص المشروع على أن يفوض رئيس الجمهورية في التصديق على إتفاقات بيع وشراء السلاح وفي إصدار قرارات لها قوة القانون فيما يتعلق باعتمادات التسليح والإعتمادات الأخرى اللازمة للقوات المسلحة، وذلك لمدة تنتهي في يونيو عام 2000. وجاءت موافقة المجلس على المشروع بأغلبية 394 صوتا (معظمهم من نواب الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم)، بينما رفض المشرع 12 نائبا [1] وامتنع نائب واحد عن التصويت. وبذلك تصل نسبة الموافقة على المشروع الى 96.8 % من إجمالي عدد النواب الحاضرين وعددهم 704 عضو. وتغيب عن الحضور 47 نائبا.
واستند هذا المشروع على نص المادة 108 من الدستور المصري لسنة 1971 التي تنص على أن: “لرئيس الجمهورية عند الضرورة وفي الأحوال الاستثنائية وبناء على تفويض من مجلس الشعب بأغلبية ثلثي أعضائه أن يصدر قرارات لها قوة القانون، ويجب أن يكون التفويض لمدة محددة وان تبين فيه موضوعات هذه القرارات والأسس التي تقوم عليها، ويجب عرض هذه القرارات على مجلس الشعب في أول جلسة بعد انتهاء مدة التفويض، فإذا لم تعرض أو عرضت ولم يوافق المجلس عليها زال ما كان لها من قوة القانون”.
وفى حين أكد المؤيدون للمشروع على أن الظروف التي تمر بها المنطقة والمخاطر والتحديات التي تواجهها تستوجب مد هذا التفويض لرئيس الجمهورية لأن اتفاقيات التسليح تتطلب السرية والسرعة في اتخاذ القرارات، رأى المعارضون للمشروع (من نواب أحزاب الوفد والتجمع والناصري وبعض المستقلين) أن هذا التفويض ينتقص من سلطات واختصاصات مجلس الشعب القادر على مناقشة اي اتفاقية تسليح في سرعة، كما أن اتفاقيات التسليح لم تعد سرا في العالم كله.
ويرى المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة أن المشكلة تتجاوز في خطورتها وأبعادها مسألة تفويض رئيس الجمهورية بإصدار قرارات لها قوة القانون في مجال التسليح.. إلى ظاهرة “التفويض التشريعي” بصفة عامة، وبيان مدى أحقية مجلس الشعب في تفويض السلطة التنفيذية بأمور تدخل في صميم اختصاصاته (أمور التشريع) وأثار ذلك على مبادئ الفصل بين السلطات وسيادة الشعب والقانون وأسس ومبادئ النظام الديمقراطي التي كرسها الدستور المصري الصادر عام 1971.
[1] اعترض على مشروع القانون النواب : خالد محى الدين (تجمع) ، محمد الضهيرى (تجمع) ،البدرى فرغلى (تجمع) ، محمد عبد العزيز شعبان (تجمع) ، رأفت سيف (تجمع) ، عارف صيام (مستقل) ، فؤاد بدراوى (وفد) ، أيمن نور (وفد) ، احمد طه (مستقل) ، احمد ناصر (وفد) ، سامح عاشور (ناصرى) .
فمن الأمور المستقر عليها أن مبدأ الفصل بين السلطات ، الذى يعد أحد ركائز دولة القانون والمؤسسات وضمانة هامة للحريات والحقوق العامة والفردية ، يقوم على قاعدتين تكمل إحداهما الأخرى 2 فهو يقوم ” أولاً “ على قاعدة التخصص أولاأالوظيفي ، بما تعنيه من ضرورة تعدد الهيئات العامة بقدر تعدد سلطات الدولة مع توزيع هذه السلطات بين هذه الهيئات بحيث يكون كل منها متخصصا في أعمال بعينها من تلك السلطات، وهو يقوم “ثانيا” على أساس أنها جميعا هيئات مستقلة لا تتداخل إحداها في أعمال الأخرى، دون أن يمنع ذلك التعاون بينها. وفي مجال توزيع الاختصاصات بين سلطات الدولة، إستقرت القواعد الدستورية في اغلب الدول الديمقراطية على اختصاص السلطة التشريعية وحدها دون غيرها بإصدار القوانين. كما استقر فقه القانون العام المعاصر على انه ليس للسلطة التشريعية (البرلمان) أن تفوض غيرها في ممارسة اختصاصاتها إن لم يكن الدستور قد أباح ذلك صراحة في أحوال معينة وبشروط محددة. وقد دعم هذا الفقه موقف الرافض للتفويض في السلطة بحجتين:
الأولى: أن من شان التفويض أن يهدر مبدأ “سيادة الشعب” جوهر النظام الديمقراطي، فالتفويض الذي ينقل به البرلمان جزءا من اختصاصه التشريعي عن طريق المراسيم بقوانين او غبر ذلك من الطرق يعتبر اعتداءا على مبدأ سيادة الشعب ، لأنه يحرر هذه القوانين من رقابة ممثلى الشعب فى البرلمان . أما الحجة الثانية فتستند على القول بأن التفويض يقوض مبدأ الفصل بين السلطات حيث ينزع الاختصاص الأصيل للبرلمان ويجعله بدون وظيفة ويؤدى الى هيمنة السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية . وقد أكدت المادة 86 من الدستور المصرى لسنة 1971 على ما سبق بقولها : ” يتولى مجلس الشعب سلطة التشريع … ” ، ومجلس الشعب الذى يباشر سلطة التشريع هو بحسب الأصل المجلس المنتخب بواسطة الشعب لأداء هذا الغرض ، وهو يعتبر فيما يصدره من تشريعات معبرا عن إرادة الشعب ، التى تعتبر بدورها مصدر كل السلطات فى الدولة ، حيث تنص المادة 3 من الدستور على أن : “السيادة للشعب وحده ، وهو مصدر السلطات … ” .
ولكن على خلاف هذا الأصل ، نصت المادة 108 سابقة الذكر على سلطة مجلس الشعب بتفويض رئيس الجمهورية بإصدار قرارات لها قوة القانون فى موضوعات معينة . وعلى خلاف تشريع الضرورة الذى يصدر فى غيبة مجلس الشعب (المادة 147 من الدستور ) فأن تشريع التفويض يصدر فى وجود البرلمان ( مجلس الشعب ) . ولا يستمد مبرراته من وجود حالة من حالات الضرورة فحسب ، بل من وجود تفويض صريح من البرلمان الى السلطة التنفيذية بإصدار مثل هذا التشريع .
ويكاد لا يوجد أساس نظرى سليم لمثل هذا التفويض ، فالبرلمان يستمد سلطته التشريعية من الدستور ، وهى سلطة بإجماع الفقهاء لا يجوز التصرف فيها أو التنازل عنها للغير . وقد كان دستور سنة 1923 لا يتضمن أى نص يجيز التفويض ، وكان الرأى الراجح هو عدم جواز ذلك لإنعدام الأساس النظرى الذى يمكن أن تستمد منه فكرة التفويض 3 . ولكن حسمت الدساتير المتتالية هذه المسألة ، إذ تضمنت نصوصا صريحة بإعطاء السلطة التشريعية الحق فى تفويض السلطة التنفيذية فى إصدار قرارات لها قوة القانون 4 .
وطبقا لنص المادة 108 فان تشريع التفويض لا يصدر إلا فى حالة الضرورة ، ويكون تقدير حالة الضرورة بواسطة مجلس الشعب وليس رئيس الجمهورية . ويجب أن يكون المجلس منعقدا فى الوقت الذى تصدر فيه هذه التشريعات ، ويجب أن يصدر التفويض بأغلبية خاصة ( ثلثى أعضاء مجلس الشعب ) كما ينبغى أن يكون لمدة محددة ( شهر أو سنة أو نحو ذلك ) ، وأن يكون قاصراً على موضوعات معينة ، وأن يحدد التفويض الأسس التى يجب أن تقوم عليها القرارات الصادرة بمقتضى هذا التفويض . وكذلك يجب عرض تشريع التفويض على مجلس الشعب فى أول جلسة بعد انتهاء مدة التفويض . فإذا لم يعرض تشريع تفويض على مجلس الشعب أو عرض ولم يوافق عليه المجلس زال ما كان له من قوة القانون .
و رغم أن تشريع التفويض لا يجوز له أن يخالف الدستور ويخضع بالتالى لرقابة القضاء الدستورى بل والقضاء الادارى فى رأى بعض الفقه ، إلا أن ظاهرة التفويض التشريعى كانت دائما تغرى السلطة التنفيذية بالشطط وتجاوز حدود التفويض . حيث سبق لرئيس الجمهورية استنادا الى هذا التفويض أن أصدر القرار بقانون رقم 83 لسنة 1969 بشأن إعادة تشكيل الهيئات القضائية ، فيما يعرف ” بمذبحة القضاء “ . وقد ترتب على هذا القرار بقانون عزل عدد من القضاة وهم الذين لم يرد ذكر أسمائهم فى قرار إعادة التشكيل . وقد طعن أحد القضاة المذكورين أمام محكمة النقض 5 فى صحة القرار بقانون المشار إليه وطالب بإلغائه لمجاوزته حدود التفويض . وقد قضت محكمة النقض بجلسة 21/12/1972 بأن : ” القرار بقانون رقم 83 لسنة 1969 فيما تضمنه من اعتبار رجال القضاء الذين لا تشملهم قرارات التعيين أو النقل محالين الى المعاش بحكم القانون ، يكون غير قائم على أساس من المشروعية ومشوبا بعيب جسيم يجعله عديم الأثر ” . وبهذا الحكم يكون القضاء المصرى يكون قد أخذ بمذهب القضاء الفرنسى فى اعتبار تشريع التفويض ذى طبيعة مزدوجة ، بحيث تكون له قوة القانون العادى ، ومع ذلك فهو قرار إدارى يجوز الغاؤه لعيب مجاوزة السلطة .6 والجدير بالذكر أن قرار رئيس الجمهورية بقانون رقم 83 لسنة 1969 قد جاء فى أعقاب رفض قضاة مصر سنة 68-1969 الانضمام للإتحاد الإشتراكى العربى ( التنظيم السياسى الوحيد فى مصر آنذاك ) تأسيساً على أن القضاة يجب أن يظلوا مستقلين تجاه السلطة التنفيذية ضماناً لأداء رسالتهم فى تحقيق العدالة بحرية ودون تدخل فى أعمالهم لغير ضمائرهم .. رغم أن هذا الموقف لا يعبر عن رفضهم للتنظيم السياسى القائم .
والجدير بالذكر أيضاً أن هناك العديد من القرارات والقوانين والتى صدرت بناء على تشريع التفويض وساعدت فى أحكام قبضة الدولة على المؤسسات الفاعلة فى المجتمع والتى بدأت بالقانون 384 سنة 1956 الخاص بتنظيم الجمعيات الأهلية واكتملت بالقرار بقانون رقم 32 لسنة 1964 بشأن تنظيم الجمعيات الأهلية ، وأيضاً القرار بقانون رقم 34 لسنة 1962 بفرض العزل السياسي على من اعتبرتهم الثورة قد أفسدوا الحياة السياسية من قبل أو الذين تضمنتهم قوائم الحراسات أو جرى اعتقالهم بعد الثورة .
ومن ناحية أخرى ، أصدر مجلس الشعب المصرى فى ظل دستور 1971 القانون رقم 6 لسنة 1973 بتفويض رئيس الجمهورية فى إصدار قرارات بقوة القانون فيما يتعلق بميزانية الحرب ، والقانون رقم 29 لسنة 1972 بتفويض رئيس الجمهورية بإصدار قرارات لها قوة القانون فى مجال التسليح .
ورغم أن تفويض التشريع يجد الآن سنده الدستورى ، فإنه قد حدثت تجاوزات شديدة فى التطبيقات الكثيرة والمتعددة التى صدرت على أساسه . ففى 3 فبراير 1996 أصدرت المحكمة الدستورية العليا حكمها فى الدعوى رقم 18 لسنة 8 قضائية دستورية ، بعدم دستورية الفقرتين الثانية والثالثة من المادة الثانية من القانون رقم 133 لسنة 1981 المعدل بالقانون رقم 102 لسنة 1982 الخاص بضريبة الاستهلاك وكذلك نصوص قرارات رئيس الجمهورية أرقام 360 لسنة 1982 و 1937 لسنة 1986 تنفيذاً للمادة المذكورة ، وأسست المحكمة قضائها على أن ” إنشاء الضرائب العامة أو تعديلها أو الغاءها لا يكون إلا بقانون ، بما مؤداه عدم جواز فرضها بقرار من رئيس الجمهورية ولو أقرتها السلطة التشريعية فيما بعد عند عرضها عليها وحيث أن السلطة التشريعية ، إذ تفوض رئيس الجمهورية فى مباشرة اختصاصها بتنظيم موضوع معين تنظيماً تشريعياً ، وان جاز فى الدستور ، إلا أن هذا التفويض لا يجوز أن ينقل ولايتها التشريعية بأكملها أو فى جوانبها الأكثر أهمية الى السلطة التنفيذية ، وإلا كان التفويض مخالفاً للدستور . كذلك فان رئيس الجمهورية إذ ينظم المسائل التى فوضّ فيها على ضوء القواعد التى تحكمها وفقاً لقانون التفويض ، فذلك بصفة استثنائية باعتبار أن هذا الاختصاص ينصب على تقرير قواعد قانونية تسنها السلطة التشريعية أصلاً وفقا للدستور ، وهو ما يعنى أن يتقيد رئيس الجمهورية فيما فوض فيه بالحدود الضيقة التى تفرضها الطبيعة الاستثنائية لإختصاص يتولاه عرضاً ، وعند الضرورة فى أعلى درجاتها بمدة محددة وإلا كان مخالفاً للدستور ” .
وتأسيساً على ما تقدم وفى ضوء نص المادة 108 وعلى أساسه ، وتأكيدا لما أقرته المحكمة الدستورية العليا فى العديد من القضايا ، يلزم لصحة التفويض التشريعى وسلامته أن تتوافر الشروط الآتية :
- أن يجرى التفويض فى ظل ظروف استثنائية تشفع له وتبرره .
- أن تحدد الموضوعات التى يجرى فيها ، والأسس التى يقوم عليها .
- أن يكون لمدة محددة .
- أن يصدر ( طبقا لنص المادة 108 من الدستور ) بأغلبية ثلثى أعضاء مجلس الشعب .
- ان تعرض قرارات رئيس الجمهورية الصادرة بناء على التفويض على مجلس الشعب فى أول جلسة بعد انتهاء مدة التفويض ، فإذا لم تعرض أو عرضت ولم يوافق عليها المجلس زال ما كان لها من قوة القانون .
والسؤال الآن .. هل التزم قرار مجلس الشعب بالموافقة على مشروع بمد العمل بالقانون رقم 29 لسنة 1972 بتفويض رئيس الجمهورية بإصدار قرارات لها قوة القانون فى مجال التسليح .. بالشروط والمعايير السابقة ؟
* فى عدم دستورية تفويض رئيس الجمهورية بإصدار قرارات لها قوة القانون فى مجال التسليح (القانون رقم 29 لسنة 1972 )
يعتقد المركز العربى لاستقلال القضاء والمحاماة ان قرار مجلس الشعب بالموافقة على مد العمل بالقانون رقم 29 لسنة 1972 قد جاء مشوباً بعيب عدم الدستورية من عدة وجوه نجملها فيما يلى :
- فهو أولاً مطعونا عليه دستوريا لعدم توافر حالة الضرورة الملحة والشديدة التى تستوجب ذلك ، فالحجة الأساسية وراء تبرير هذا التفويض التشريعى تكمن – حسبما صرح مؤيدو المشروع – فى أن الظروف والتحديات والمخاطر التى تواجهها تستوجب هذا التفويض لرئيس الجمهورية لأن إتفاقيات التسليح تتطلب السرعة والسرية فى اتخاذ القرار .. هذه الحجة غير قائمة على أساس من الواقع . فإذا كانت هذه الحجة قائمة قبل انتصار حرب أكتوبر 1973 بسبب حالة الحرب التى كانت قائمة فعلاً بين مصر و “إسرائيل” ، فإنها قد سقطت بتوقيع ما يسمى باتفاقية السلام مع إسرائيل … كما أن أمور التسليح لم تعد فى عصر تدفق المعلومات وتداولها بحرية على النطاق الدولى ، من الأمور الخافية غير المعلن عنها بل أصبحت أنواع الأسلحة ومصادرها وصفقات السلاح وأطرافها من المعلومات المتداولة على نطاق واسع .
- وهو ثانياً مطعون عليه بعدم الدستورية لإفتقاده الشرط الثانى من شروط التفويض ، وهو أن يكون لمدة محدودة . فلا شك أن تفويض رئيس الجمهورية بإصدار قرارات لها قوة القانون فى مجال التسليح قد أصبح من الناحية الفعلية ضمن السلطات الأصيلة والثابتة لرئيس الجمهورية ، حيث دائب مجلس الشعب منذ إصدار القانون رقم 29 لسنة 1972 على مد تفويض رئيس الجمهورية بإصدار قرارات لها قوة القانون فى مجال التسليح سنوياً ، حتى وصلت مدة التفويض الى ما يزيد على ربع قرن من الزمان .
والواقع أن حرمان مجلس الشعب لمدة تصل إلى 28 سنة من إختصاصه الأصيل بالتشريع فى المسائل المتعلقة بالتسليح يعد مخالفة واضحة لنص المادة 68 من الدستور المصرى التى تنص على أن “يتولى مجلس الشعب سلطة التشريع ” ، حيث أسفر التفويض الدائم عن نقل الاختصاص الأصيل لمجلس الشعب بالتشريع من مسائل التسليح ( بأكملها ) الى السلطة التنفيذية ممثلة فى رئيس الجمهورية . ونستند فى ذلك على أن الدستور عندما فوض رئيس الجمهورية بتنظيم مسائل معينة تدخل ضمن اختصاص السلطة التشريعية من حيث الأصل ، إنما قرر ذلك بصفة استثنائية ولمدة محددة ، حتى لا تتغول السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية وتنتقص من اختصاصها الأصيل بإصدار التشريعات .
- وهو ثالثاً مطعون فيه بعدم الدستورية لأن مجلس الشعب لم يحدد الموضوعات التى يجرى فيها التفويض تحديداً واضحاً ، واكتفى بالإشارة الى تفويض رئيس الجمهورية والتصديق على بيع وشراء السلاح وفى إصدار قرارات لها قوة القانون فيما يتعلق باعتمادات التسليح والاعتمادات الأخرى اللازمة للقوات المسلحة ، وهو الأمر الذى يجعلنا نؤكد ان مجلس الشعب – متجاوزا سلطاته الدستورية فى التفويض – قد تنازل لرئيس الجمهورية عن كل سلطاته التشريعية فى مجال التسليح . و يتدعم هذا الفهم بإغفال مجلس الشعب الدائم لتحديد الأسس والقواعد التى يقوم عليها التفويض ، وهى من المسائل المفترضة بمقتضى المادة 108 من الدستور .
- وهو أخيراً مطعون عليه بعدم الدستورية لعدم توافر شرط الرقابة البرلمانية التى نصت عليها المادة 108 من الدستورية بقولها : ” ويجب عرض هذه القرارات على مجلس الشعب فى أول جلسة بعد انتهاء مدة التفويض ، فإذا لم تعرض أو عرضت ولم يوافق المجلس عليها زال ما كان لها من قوة القانون ” . ورقابة البرلمان هنا ليست مجرد رقابة سياسية ، ولكنها رقابة ذات طابع قانونى ، حيث يملك مجلس الشعب أن يوافق على قرارات رئيس الجمهورية بعد انتهاء مدة التفويض فتظل لها قوة القانون ، أو يعترض عليها فيزول ما كان لها من قوة القانون .
والواقع من الأمر أن شرط الرقابة البرلمانية اللازم لصحة التفويض لم يحترم . حيث لم يقم مجلس الشعب طوال السنوات الماضية بممارسة رقابته البرلمانية على قرارات رئيس الجمهورية عند عرضها عليه بعد انتهاء مدة التفويض ، فلم يقم بدراسة ملاءمة التشريع من حيث موضوعه وهل هو صالح فيبقى أو غير صالح فيسقط ، وهل تتوافر حالة الضرورة التى تبرر استمرار أو منح التفويض أم لا .
ولا شك أن عدم قيام مجلس الشعب بممارسة اختصاصه على هذا النحو له مظاهر أخرى كثيرة وله أسبابه المعروفة ، ومن ضمنها هيمنة السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية ، وتمتع نواب الحزب الوطنى الديمقراطى الحاكم الذى يرأسه السيد رئيس الجمهورية بالأغلبية داخل مجلس الشعب ، الأمر الذى يجعل من المستحيل عملياً قيام مجلس الشعب بالتزاماته الدستورية تحت ضغط وتحكم الأغلبية .
إن المركز العربى لاستقلال القضاء والمحاماة إذ ينظر بعين القلق الى ظاهرة التفويض التشريعى بصفة عامة باعتبارها اعتداءً على مبادئ الفصل بين السلطات وسيادة الشعب والقانون وتقويضاً لأسُس الديمقراطية التى كرسها الدستور المصرى لسنة 1971 ، وإذ ينتقد بشكل خاص قرار مجلس الشعب بالموافقة على مد العمل بالقانون 29 لسنة 1972 باعتباره يكرس هيمنة السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية ويخل بالتوازن المطلوب بين السلطات الثلاث للدولة ، إلا أنه يناشد السيد رئيس الجمهورية ومجلس الشعب إعادة النظر فى مثل هذا التفويض والتأكيد على اختصاص مجلس الشعب وحده بأمور التشريع بوصفه معبراً عن إرادة الشعب ما باعتباره المصدر الوحيد لجميع سلطات الدولة .
2 راجع فى ذلك ، محمد الغمرى ، التشريع بأوامر عسكرية ومبدأ الفصل بين السلطات ، مجلة مساعدة ، العدد الثالث ، يناير 1997 .
3 راجع فى ذلك سليمان مرقص المدخل للعلوم القانونية ، سنة 1967 .
4 المادة 136 من دستور 1956 ، والمادة 10 من دستور 1904 ، والمادة 108 .
5 الغاء القرارات الادارية هو اختصاص القضاء الادارى ومع ذلك رفض المادة 83 من قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972 على أن تختص دائرة المواد المدنية والتجارية لمحكمة النقض دون غيرها بالفصل فى كافة الطلبات التى يقدمها رجال القضاء والنيابة العامة بإلغاء القرارات الادارية النهائية المتعلقة بأى شأن من شئونهم .
6 راجع فى ذلك د. سمير عبد السيد تناغو ، النظرية العامة للقانون ، دار المعارف الاسكندرية صـ 231 .
