تابع المركز العربى لاستقلال القضاء والمحاماة باستنكار بالغ ما قام به رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو من التشكيك فى نزاهة القضاء المصرى ، وزعمه براءة المحكوم عليه عزام متعب عزام ، فى حكم محكمة أمن الدولة العليا طوارئ الصادر بتاريخ 30/8/1997 ، وقيامه بإرسال رسالة للسيد رئيس الجمهورية يطالبه فيها باتخاذ قرار بالعفو عن المحكوم عليه عزام والإفراج عنه ، ويرى المركز أن ما قام به السيد رئيس الوزراء الإسرائيلى يمثل تدخلا فى أعمال السلطة القضائية المصرية واعتداء على سيادة الدولة المصرية ، ويخالف مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية التى تحظر أية تدخلات غير لائقة أو لا مبرر لها فى الإجراءات القضائية وبأنه لا تخضع الأحكام التى تصدرها المحاكم لإعادة النظر فيها بغير الطريق القضائى .
وكانت محكمة أمن الدولة العليا طوارئ قد أصدرت حكمها فى القضية المعروفة بقضية التجسس لحساب إسرائيل بتاريخ 30/8/1997 ، والذى جاء فيه الحكم على الجاسوس المصرى عماد إسماعيل حضوريا ، والجاسوستين الإسرائيليتين زهرة يوسف جريس ومنى شواهنة ، المتهمتين الثانية والثالثة فى القضية غيابيا بالأشغال الشاقة المؤبدة ، وبتغريم كل منهم 5 آلاف جنيه وإلزامهم بالمصاريف الجنائية . كما قضت المحاكمة بمعاقبة الجاسوس الإسرائيلى عزام متعب عزام المتهم الرابع فى القضية بالأشغال الشاقة لمدة 15 سنة وألزمته بالمصاريف الجنائية وكان السيد رئيس الوزراء الإسرائيل قد أرسل خطابا للسيد رئيس الجمهورية بتاريخ 3/9/1997 يطالب فيه بإصدار العفو عن عزام والإفراج عنه ، ومن المعروف أنه لا يجوز الطعن فى أحكام محكمة أمن الدولة العليا طوارئ ، وإنما تقديم التماس إلى الحاكم العسكرى خلال 15 يوما من تاريخ النطق بالحكم ، وأن أحكام هذه المحكمة تعتبر نافذة بعد تصديق الحاكم العسكرى عليها .
ويؤكد المركز الذى تابع جلسات هذه المحاكمة ، برفقة مندوب اللجنة الدولية للحقوقيين الدولية أن هذه الدعوى قد استمرت حوالى 5 أشهر ونظرتها المحكمة فى 10 جلسات ، واستغرقت مرافعات الدفاع فيها أكثر من 20 ساعة وكانت الجلسات علنية وحضرتها وسائل الإعلام المحلية والأجنبية . كما أشاد مندوب اللجنة الدولية للمركز العربى بسعة صدر المحكمة عندما أكد للمركز أن المحكمة قد استمعت إلى دفاع المتهمين باهتمام بالغ ولم تقاطع الدفاع أثناء مرافعته إطلاقا وقد كفلت المحكمة للدفاع كل سبل الترافع فى جو يتسم بالحيادية .
ويرى المركز أنه يعد مؤشرا حقيقيا على نزاهة هذا الحكم ما جاء فى حيثيات نصه من أن الحكم على المتهم الرابع (الجاسوس الإسرائيلى) قد جاء أخف من المتهمين الآخرين لأن الباعث لديه أنه فى اعتقاده أن فى ذلك خدمة لبلده ، ولكنه فى نفس الوقت حاول الإضرار بمصر .
وبرغم صدور الحكم فى هذه الدعوى من محكمة أمن الدولة العليا طوارئ المشكلة للقانون 162 لسنة 1958 وبناء على أمر رئيس الجمهورية رقم 7 لسنة 1967 بإحالة الجرائم المضرة بأمن الحكومة من جهة الخارج إلى محكمة أمن الدولة طوارئ ، والتى يختلف المركز مع إنشائها باعتبارها قضاء استثنائيا ، إلا أن المركز يعتقد أن ما قام به السيد رئيس الوزراء الإسرائيلى يعد تطاولا على سيادة القانون واستقلال القضاء المصرى ، ويخالف الالتزامات الدولية المتعارف عليها بعدم جواز تدخل الدولة أو أى سلطة فى أعمال السلطة القضائية ، ويخالف المواد 1، 4 من مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية ، وذلك كما يلى :
- يشكل طلب السيد رئيس الوزراء الإسرائيلى مساسا باستقلال السلطة القضائية حيث يرى المركز أن هذا الاستقلال لا يعنى فحسب استقلال القضاة فى وظيفتهم القضائية (عدم جواز عزلهم – حماية مرتبهم … ) وإنما يعنى أيضا استقلال القضاء ذاته كنظام حيال السلطتين التشريعية والتنفيذية ، وهو ما يعنى أنه ليس للمشرع أو أية سلطة أيا كانت التدخل فيما يكون قد حسمه من منازعات ، وينطوى هذا المبدأ على حظر ألغاء حكم قضائيى أو عدم تنفيذه أو وقفه ، وبوجه عام حظر المساس بحجية الشئ المقضى فيه ، ويعنى أيضا حظر التدخل فى وظيفة القضاء بنقد حكم صادر من القضاء ، ويرى المركز أنه يزيد من الأمر غرابة ، صدور هذه الأفعال من رئيس وزراء حكومة اعترف قضائها بالتعذيب كوسيلة مشروعة للحصول على الاعتراف فى سابقة قضائية هى الأولى من نوعها بالمخالفة لأحكام الشرعة الدولية والاتفاقية الدولية كمناهضة التعذيب . وأن يأتى هذا الانتقاد للقضاء المصرى الذى يعد من أقدم النظم القضائية فى العالم المتحضر والمعروف بتاريخه وأصوله وتقاليده .
- يشكل هذا الطلب اعتداء على سيادة القانون المصرى ، لأنه كما أن سيادة القانون تعنى وجوب احترام نصوص القانون وخضوع الجميع لأحكامه بما فيهم الدولة ، فكذلك يجب احترام القضائ الذى يطبق نصوص القانون . ولأن احترام حجية الأمر المقضى به يضمن تحقيق الحماية القضائية . ويكون ذلك عندما يقوم القضاء بوظيفته بتطبيق القانون ، وأن هذه الحماية لا يمكن أن تتحقق ما لم تكن لها حجية تكفل ضمان الاستقرار للحقوق والمراكز القانونية التى أكدتها أحكام القانون ، وبذلك فأن أى اعتداء على هذه الحجية يشكل اعتداء على سيادة القانون .
- يخالف هذا الطلب المبادئ الأساسية التى يقوم عليها الدستور المصرى وقانون السلطة القضائية اللذان يكفلان الحصانة والاستقلال الكاملين لرجال القضاء والنيابة العامة على حد سواء ، وأنه لا يجوز لأية سلطة أخرى التدخل فى شئون القضاء ، وقد أكدت المادتان 165 ، 166 من الدستور المصرى ذلك المعنى عندما جاء فيهما أن السلطة القضائية مستقلة ، وأن القضاة مستقلون ، لا سلطان عليهم فى غير قضائهم لغير القانون ولا يجوز لأية سلطة التدخل فى القضايا أو فى شئون العدالة .
- كما يشكل طلب رئيس الوزراء إساءة لمنطق العلاقات الدولية الذى يؤكد على مبدأ عدم جواز التدخل فى الشئون الداخلية للدول بصفة عامة ، وفى أعمال سلطتها القضائية بصفة خاصة ، وأن التدخل من جانب دولة فى أعمال السلطة القضائية لدولة أخرى ، هو اعتداء صارخ على سيادة هذه الدولة .
ويتعارض هذا الطلب الغريب مع ماجاء بالمادتين 1 ، 4 من مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية ، واللتان قد نصتا على أنه من واجب جميع المؤسسات الحكومية وغيرها من المؤسسات احترام ومراعاة استقلال السلطة القضائية ، وأنه لا يجوز أن تحدث أية تدخلات غير لائقة ، أو لا مبرر لها فى الإجراءات أو الأحكام القضائية التى تصدرها المحاكم لإعادة النظر فيها بغير الطريق القضائى .
والمركز العربى لاستقلال القضاء والمحاماة ، إذ يستنكر هذا الطلب الغريب من رئيس الوزراء الإسرائيلى ، فإنه يناشد السلطات المصرية التمسك بموقفها الرافض للتدخل فى شئون القضاء المصرى احتراما لمبادئ سيادة القانون واستقلال السلطة القضائية المكفولين بنصوص الدستور المصرى فى المواد 64 ، 65 ، 165 ، 166 واحتراما لنص المادتين 1 ، 4 من مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية المعتمدة من الجمعية العامة للأمم المتحدة شهر ديسمبر عام 1985 .