تعليق المركز العربى لاستقلال القضاء والمحاماة على مسودة مشروع قانون السلطة القضائية الفلسطينية (المسودة ( الثانية ) – التى قدمت للمناقشة العامة بتاريخ 10/11/1997 )

شهدت النسخة الأخيرة من مشروع قانون السلطة القضائية الفلسطينية العديد من التعديلات التى تلافت معظم الانتقادات الموجهة للمشروع السابق ، مما يمكن معه القول بأن  هذه النسخة أفضل بصورة نسبية عن تلك السابقة . [1]

وبرغم ذلك فأن هذه النسخة قد شهدت إغفالا لبعض النصوص  الهامة التى وردت فى المشروع السابق ، كما شهدت وجود بعض الثغرات ، التى ينبغى الدفاع عن عدم استمرارها ، حتى نكون أمام مشروع يليق باستقلال السلطة القضائية الوليدة فى فلسطين ويراعى فيه احترام المبادئ العالمية لاستقلال السلطة القضائية ، ولا سيما مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية.

أولاً : أبرز النصوص الهامة التى تجاهلها هذا المشروع الجديد ، وكانت موجودة فى ذلك القديم :

  1. نص المادتين 2 ، 3/1 واللتين كانتا ينصان على أن : ” القضاة مستقلون ولا سلطان عليهم فى قضائهم لغير القانون ، ولا يجوز لأية سلطة التدخل فى القضاء أو فى شئون العدالة .” (2) ، “السلطة القضائية تتولاها المحاكم ، وهى سلطة قائمة بذاتها … ” (3/1)
  2. ونظرا للأهمية القصوى لمثل هذه النصوص ، والتى عادة ما تكون تكراراً لتلك النصوص الدستورية التى تكفل استقلال السلطة القضائية ، وعدم تدخل السلطات الاخرى فى شئون القضاء أو العدالة ، فإن إغفال ذكر هذه النصوص فى المشروع يعد نكوصاً عن هذه الكفالة ، واستقلال القضاء ليس استقلال الميزانية فحسب (لا سيما إذا ما أخذنا فى الاعتبار أن الميزانية يكون المسئول عنها واقعياً وزيرى العدل والمالية ، والحكومة بصفة عامة ) ‍‍‍‍‍‍‍‍‍!!
  3. إغفال النص على أن تشمل اختصاصات المجلس الأعلى للقضاء ضرورة أخذ رأيه فى كافة مشروعات القوانين المتعلقة بالقضاء والنيابة العامة ، وكان وارداً ذلك فىنص المادة 32 فقرة 2 من المشروع القديم .
  4. أغفل المشروع الجديد تنظيم مسألة تعيين النائب العام ، حيث جاء فى الباب الثالث من المشروع ، النص على تنظيم النيابة العامة والتى اشتملت على تشكيل النيابة العامة ، وتحديد مكان عمل أعضاء النيابة ، ومعاونو النيابة وتأديب أعضاء النيابة … واختصاصاتها … الخ ، لكن تعيين النائب العام مسألة فى منتهى الأهمية بالنسبة لاستقلال السلطة القضائية ويرى المركز العربى ضرورة تحديد طريقة هذا التعيين ، ويستحسن أن يكون تعيين النائب العام من بين أقدم نواب النائب العام .
  5. تبنى المشروع منهج إدخال المحكمة  الدستورية العليا ضمن التنظيم القضائى العادى ، واختص هيئة من الجمعية العمومية للمحكمة العليا واعتبرها “المحكمة الدستورية العليا” . ولكن يؤخذ على نص المادة (5) / (1) من المشروع والتى نصت على هذا الأمر أنها أغفلت طريقة واضحة لكيفية تعيين هذه الهيئة (المحكمة الدستورية العليا ) من بين الجمعية العمومية للمحكمة العليا ، فعلى أى أساس سيتم هذا الاختيار. ؟ ، كما أغفل هذا النص أيضاً تحديد رئيس لهذه المحكمة وطريقة اختياره ، بالرغم مما لهذا الأمر من ضرورة وأهمية قصوى ، باعتبار أن المحكمة الدستورية العليا هى المحكمة القائمة على حماية نصوص الدستور ومراقبة دستورية القوانين  واللوائح . .

ثانياً : أبرز الإيجابيات التى استحدثها المشروع الجديد “مقارنة بمثيله القديم ” :

  1. استحدث المشروع الجديد فكرة التوسع فى عقد الجمعيات العمومية للمحاكم ، وهى الفكرة الأقرب للديمقراطية ، وجاءت المادة (15)من المشروع لتساوى بين رئيس المحكمة ، أو من يقوم مقامه أو بناء على طلب ثلث عدد قضاة أى محكمة فى حقهم فى طلب انعقاد الجمعية العمومية .
  2. كما نصت هذه المادة على حق أقدم القضاة الموقعين على طلب عقد الجمعية العمومية فى الدعوة لعقدها فى حالة عدم استجابة رئيس المحكمة لهذا الانعقاد .
  3. أعطى نص المادة (39) من المشروع الحق المتساوى لرئيس المجلس الأعلى للقضاءأو ثلاثة من أعضائه   أو وزير العدل فى طلب انعقاد المجلس ، وإن كان يستحسن إبعاد وزير العدل تماماً عن المجلس الأعلى للقضاء .
  4. أكد نص المادة (41) من المشروع على إنشاء لجنة للتفتيش القضائى تابعة للمجلس الأعلى للقضاء .. ونص على تشكيلها بوضوح والذى يتكون من :
  5. رئيس قضاة المحكمة العليا .
  6. عدد كاف من قضاة محاكم الاستئناف أو من هم فى مرتبتهم من أعضاء النيابة العامة …
  7. وهكذا تلافى هذا المشروع عيباً جوهرياً فى المشروع القديم حيث كانت المادة (34) منه تنص على التفتيش على القضاة ، والتى خولت المجلس الأعلى للقضاء تعيين أو انتداب قاض – بدون أية ضوابط – لإجراء التفتيش على القضاة .
  8. كما جاءت المادة الجديدة وأكدت على أن كافة ضوابط هذه اللجنة (من لائحتها واختصاصاتها ، والقواعد والإجراءات اللازمة لأداء عملها ) … يضعها المجلس الأعلى للقضاء بنفسه .
  9. استحدث نص المادة (48) فى المشروع نصاً جيداً وهو اختصاص مجلس تأديبى محدد نص على تشكيله ، يختص بتأديب القضاة . وهذا التشكيل يتكون من أقدم اثنين من قضاة المحكمة العليا، وأقدم قاض من قضاة محاكم الاستئناف من غير أعضاء مجلس القضاء الأعلى وعلى أن يتولى رئاسة المجلس أقدم أعضائه الحاضرين .
  10. تلافى نص المادة (55) من المشروع الجديد عيوباً كبيرة فى مثيله نص المادة (57) من المشروع القديم … حيث حصرت العقوبات التأديبية التى يجوز توقيعها على القضاة على : اللوم أوالعزل بدلاً من اتساعه غير المبرر فى مثيله القديم المشتمل على عقوبات مالية مثل : توقيف الراتب – إرجاء الزيادة السنوية – تخفيض الراتب لمدة معينة – ووصلت إلى عقوبات مجحفة ليس لها مبرر مثل – تنزيل الدرجة !!!
  11. تلافى المشروع الجديد عيباً هاماً فى المشروع القديم هو نص المادة (42) والذى كان يعطى حقا واسعا ومطلقا وغير مبرر -لمجلس القضاء الأعلى – فى إحالة أى قاض أكمل 15 عاماً بدون أية أسباب أو ضوابط إلى التقاعد .

ثالثاً : أبرز الانتقادات التفصيلية للمشروع الجديد : [2]

  1. نصت المادة 8/1 على محاكم البداية ومحاكم الصلح ، ويستحسن حذف ترشيح وزير العدل لرئيس محكمة البداية ، حتى لو كان ذلك بعد موافقة مجلس القضاء الأعلى ، والقرار الذى يصدر من الجمعية العمومية لمحكمة الاستئناف … وذلك لإبعاد شبهة تدخل السلطة التنفيذية فى إعمال السلطة القضائية ، عن طريق اختيار قضاة معينين لرئاسة هذه المحاكم ، وبعداً عن شبهة ومظنة الحرج الذى يقع فيه المجلس الأعلى للقضاء أو الجمعية العمومية من رفض ترشيح وزير العدل .
  2. م 8/4 ينتقد نص هذه المادة بسبب تدخل وزير العدل فى إنشاء وتحديد مقر ودائرة اختصاص محكمة الصلح .
  3. م 13 الفقرة الأخيرة : يحمد لنص المادة 13 أنها نظمت اختصاص الجمعية العمومية للمحكمة العليا وكل محاكم الاستئناف وجعلت مسائل ترتيب وتأليف الدوائر وتشكيل هيئات المحكمة ، وتحديد قواعد توزيع القضايا من اختصاص الجمعيات العمومية وهو الأقرب للمفهوم الديمقراطى، ولكن نص م 13 الفقرة الأخيرة ينتقد لإباحته تفويض رؤساء المحاكم بمثل هذه الأمور الهامة ، حيث يخشى استئثار هؤلاء الرؤساء بأمور التنظيم القضائى والتى تنعكس بالضرورة على مدى استقلال السلطة القضائية .
  4. م 19 يستحسن إلغاء نص الفقرة الأخيرة من هذه المادة والتى تنص على حق وزير العدل فى إصدار ما يراه بشأن القرارات الصادرة من الجمعيات العمومية للمحاكم المختلفة حيث يمكن أن يكتفى بحق الوزير ومجلس القضاء الأعلى فى أن يعيد إلى هذه المحاكم ما لا يرى الموافقة عليه من هذه القرارات .. ويتركز الانتقاد بالذات على حق الوزير دون مجلس القضاء الأعلى .
  5. اعتور المشروع قصوراً عاماً فى مسألة تنظيم درجات المحاكم وكان من المحبذ والأفضل من حيث التبويب والصياغة أن يكون الحديث عن تشكيل وتكوين كل المحاكم – مرتباً محكمة محكمة حتى لا يحدث أى لبس ، ولاتدرج هذة المسألة فى باب القضاة .
  6. م 21/6 نظمت المادة (21) الشروط الواجب توافرها فيمن يولى القضاء ، ويرى المركز وجوب تعديل نص المادة 21/6 فبدلاً من : ” أن يقطع صلته بأى حزب أو تنظيم سياسى” إلى : “ألا يكون عضواً فى أحد الأحزاب أو التنظيمات السياسية” لأن هذه الفقرة منتقدة جداً ولا يوجد معنى واضح ودقيق لكلمة “صلته” ، فقد تكون هذه الصلة مجرد قراءة أدبيات هذا الحزب أو التنظيم أو وجود صلة قرابة بأحد اعضاءه … الخ ، دون أن يكون المرشح للقضاء عضواً بهذا الحزب .
  7. المادة (24) يحمد لنص هذه المادة اشتراط موافقة الجمعية العمومية للمحكمة العليا على اختيار رئيسها باقتراع سرى ، ولكن يستحسن التأكيد على أن نتيجة هذا الاقتراع أو الانتخاب ملزمة لرئيس السلطة الوطنية الفلسطينية فى التعيين .
  8. أو يلغى نص المادة (22)/1 وأن يكتفى – وهذا هو الأكثر ديمقراطية والأكثر ضماناً لاستقلال هذه الهيئة – باشتراط انتخاب رئيس المحكمة العليا من الجمعية العمومية ، أو أن يكون هذا الرئيس أقدم النواب .
  9. م 32/2 يستحسن إلغاء فقرة “أو إبداء الآراء السياسية” من المحظورات المفروضة على القضاة لأنها عبارة مرنة وفضفاضة وتشمل تقييد حرية القاضى .
  10. م (38) نصت هذه المادة على تشكيل الأمانة الفنية لمجلس القضاء الأعلى ، ويستحسن إلغاء تدخل وزير العدل – حقه فى – إصدار القرار الخاص بإنشاء هذه الأمانة – نظراً للأهمية القصوى لهذه الأمانة فى عمل مجلس القضاء الأعلى .
  11. م (42) هناك مشكلة فى صياغة وفهم المادة (42) وماهية الطلب بعريضة الوارد فى نص هذه المادة حيث أنه وارد بعد نص المادة (41) الخاصة بالتفتيش القضائى .
  12. أما نص المادة (42) فيتحدث عن طلب بعريضة يودع بقلم كتاب المحكمة العليا ، وأن يودع بها صوراً بقدرعدد الخصوم … الخ ، وغير واضح ماهية هذا الطلب ، وهل هو طلب التظلم من قرار التفتيش أم ماذا . أم ان هذا الطلب متعلق بأمر اخر وادرج خطأ فى باب التفتيش القضائى ،وهذا هو المرجح لان نص المادة (45) قد نص على تنظيم مسألة التظلم بعريضة من قرارات التفتيش القضائى .
  13. م (50) نصت م 50/2 ، 3 على وقف القاضى ومراقبته أثناء محاكمته ويعتقد المركز العربى أن فكرة مراقبة القاضى خلال فترة محاكمته محل نظر شديد لأن هناك احتمال يظل قائم – ببراءة القاضى مما هو منسوبا اليه – ويمكن أن يكتفى بوقف القاضى عن عمله لحين إنهاء محاكمته ، دون الحاجة لمراقبته ، والتى تعرض شخص وكرامة القاضى لمهانة كبيرة .
  14. هناك مشكلة فى تكرار الصياغة والمعنى وليس لهما مبرر بين نصى المادتين (29) ، (72) حيث نصت الأولى على أن : ” أعضاء القضاء فيما عدا معاونى النيابة العامة غير قابلين للعزل إلا فى الأحوال المبينة فى هذا القانون “

ونصت الثانية على أن : ” النائب العام وأعضاء النيابة العامة عدا معاونى النيابة غير قابلين للعزل…”

وكان يمكن – تلافيا للتكرار – ولحسن سلامة التبويب أن تبقى الثانية على حالها حيث جاء ذلك ضمن الباب المخصص للنيابة العامة وأن تحذف عبارة – فيما عدا معاونى النيابة العامة – من نص المادة (29) الواردة فى الباب المخصص لأعضاء هيئات القضاء الأخرى .


[1] مرفق تعليق المركز العربى على المشروع القديم .

[2] سوف يتم التركيز فى هذا الجزء من الانتقادات على نصوص مواد المشروع تباعاً .

Acijlp المركز العربى للقضاء والمحاماة